أحمد بن محمد القسطلاني

12

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بن عيينة عن وائل بن داود عن ولده بكر بن وائل عن الزهري عن أنس ، أن النبي أولم على صفية بسويق وتمر . لم يروه عن بكر إلا وائل ، ولم يروه عن وائل غير ابن عيينة فهو غريب . وكذا قال الترمذي إنه حسن غريب . قال وقد رواه غير واحد عن ابن عيينة عن الزهريّ يعني بدون وائل وولده ، قال وكان ابن عيينة ربما دلسهما ، والحكم بالتفرّد يكون بعد تتبّع طرق الحديث الذي يظن أنه فرد هل شارك راويه آخر أم لا ، فإن وجد بعد كونه فردًا أن راويًا آخر ممن يصلح أن يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به وافقه ، فإن كان التوافق باللفظ سمي متابعًا ، وإن كان بالمعنى سمي شاهدًا ، وإن لم يوجد من وجه بلفظه أو بمعناه فإنه يتحقق فيه التفرّد المطلق حينئذ . ومظنة معرفة الطرق التي يحصل بها المتابعات والشواهد وتنتفي بها الفردية الكتب المصنفة في الأطراف ، وقد مثل ابن حبان لكيفية الاعتبار بأن يروي حماد بن سلمة حديثًا لم يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين ، فإن وجد علم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه ، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين ، رواه عن أبي هريرة ، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فأي ذلك وجد علم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه ، وإلا فلا . وكما أنه لا انحصار للمتابعات في الثقة كذلك الشواهد ، فيدخل فيهما رواية من لا يحتج بحديثه وحده ، بل يكون معدودًا في الضعفاء ، وفي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد ، وليس كل ضعيف يصلح لذلك . وكذا قال الدارقطني فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به . وقال النووي في شرح مسلم " وإنما يدخلون الضعفاء لكون التابع لا اعتماد عليه وإنما الاعتماد على من قبله " اه - . قال شيخنا ولا انحصار له في هذا ، بل قد يكون كلٌّ من المتابع والمتابع لا اعتماد عليه ، فباجتماعهما تحصل القوة ، ومثال المتابع والشاهد ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه . فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " . فإنه في جميع الموطآت عن مالك بهذا السند بلفظ فإن غمّ عليكم فاقدروا له . وأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري روى الحديث في صحيحه ، فقال حدّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدّثنا مالك به بلفظ الشافعي سواء ، فهذه متابعة تامة في غاية الصحة لرواية الشافعي ، ودلّ هذا على أن مالكًا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معًا وقد توبع فيه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر ، أحدهما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع ، فذكر الحديث ، وفي آخره فإن غمّ عليكم فاقدروا ثلاثين . والثاني أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن جدّه ابن عمر بلفظ فإن غمّ عليكم فكملوا ثلاثين . فهذه متابعة لكنها ناقصة ، وله شاهدان أحدهما من حديث أبي هريرة رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين . وثانيهما من حديث ابن عباس ، أخرجه النسائي من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس بلفظ حدّثنا ابن دينار عن ابن عمر سواء . وإنما أطلت الكلام في هذا لكثرة ما في البخاري منه والله سبحانه الموفق والمعين . والشاذ ما خالف الراوي الثقة فيه جماعة الثقات بزيادة أو نقص فيظن أنه وهم فيه . قال ابن الصلاح الصحيح التفصيل ، فما خالف فيه المنفرد من هو أحفظ وأضبط فشاذ مردود ، وإن لم يخالف بل روى شيئًا لم يروه غيره وهو عدل فصحيح أو غير ضابط ، ولا يبعد عن درجة الضابط فحسن ، وإن بعد فشاذ منكر . ويكون الشذوذ في السند كرواية الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رجلاً توفي على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يدع وارثًا إلى مولى هو أعتقه الحديث . فإن حماد